الاثنين، 26 يناير، 2015

(( تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا ، وَيُمْسِي كَافِرًا ، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا ، وَيُصْبِحُ كَافِرًا ، يَبِيعُ أَقْوَامٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا )) .


الحديث الأول :
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ : أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ الْفِتَنَ ؟ فَقَالَ قَوْمٌ : نَحْنُ سَمِعْنَاهُ ، فَقَالَ : لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ ؟ قَالُوا : أَجَلْ ، قَالَ : تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ ، وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ الْفِتَنَ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ : فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ ، فَقُلْتُ : أَنَا ، قَالَ : أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ ! قَالَ حُذَيْفَةُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : 
(( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا ـ الحصيرة كم عوداً فيها ؟ فيها ألوف ـ فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ ؛ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا ، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا ، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا ، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ... )) .[ أخرجه مسلم]
هذه الصورة بحجم اخر انقر هنا لعرض الصورة بالشكل الصحيح ابعاد الصورة هي 955x564.
 
أقسام القلوب بالنظر إلى الفتن :
(( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا )) .
فتنة الشاشة ، فتنة الإنترنت ، فتنة المحمول ، فتنة الاختلاط ،فتنة المجلات ، فتنة السينما ،
فتنة المرأة الكاسية العارية ، فتنة الربا .
(( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا ، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ )) .
كل عود له أثر في القلب نكتة سوداء .
(( وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ )) .
أي حتى ينقسم البشر إلى نموذجين .
(( عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ )) .
وما أقلَّهم .
(( مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا )) .
ما معنى ذلك ؟ المُرْبادشديد السواد ظلمة ما بعدها ظلمة ، سواد داكن ، سواد لا ترى فيه إلا السواد ،
لا بصيص نور ، ولا خيطاً رمادياً ، كالكوز ، القلب وعاء ، لكن هذا الوعاء (( كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا )) ، 
مقلوب لا يمكن أن يأخذ شيئا ، ضع الكأس على عكس وضعه ، صب فيه الماء ، وقعره نحو الأعلى ،
(( كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا )) أي منكوساً .
(( لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا ، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ )) .
هذا واقع العالم اليوم ، قلب أبيض لا تضره فتنة ، لأنه أنكر هذه الفتن فتنةً فتنة ، فهي كالحصير ، فيه أعواد لا تعد ولا تحصى ، وكل عود فتنة ، وقلب آخر أسود داكن ، (( كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا )) ، أي مقلوباً ليس فيه خير إطلاقاً ، (( لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا ، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ )) .
الآن العالم منقسم قسمين ، مؤمن وكافر ، محسن ومجرم ، صادق وكاذب ، منضبط ومتفلت ، وهكذا ، وهذا الانقسام في كل مكان ، وفي كل زمان ، وفي كل مجتمع ، إلا أن القسم الأقل هو القسم الأول .
أيها الإخوة الكرام ، تعوذوا بالله من أن نكون مع القسم الثاني ، مع القسم الذي يعم معظم الناس .
 
 
الحديث الثاني :
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ قَالَ : 
(( لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ، قَالَ : فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ ، فَقَالَ رَجُلٌ : مَنْ أَبِي ؟ قَالَ : فُلَانٌ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ]لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [)) .[أخرجه البخاري ، ومسلم . وأخرج الترمذي منه طَرفا يسيرا ]
يبدو أن الله أطلعه على ما سيكون في آخر الزمان .
(( لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا )) .
في العصور الثلاثة الأولى كان فيها الإسلام متألقاً ، وكان فيه بطولات ، ووفاء ، وكرم ، وحياء ، ومروءة ،
وجدة ، طبعاً امرأة قالت : وا معتصماه ، المعتصم لم يجلس حتى جهز جيشاً ، وغزا الروم ، وأنقذها .
رُبّ وا معتصما انطلقت ملء أفواه البنات اليتــم
لامست أسماعهم لـكنها لم تلامس نخوة المعتصم
 
(( لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ، قَالَ : فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ )) ، بكاء منخفض لهذا لا نسمعه .
(( لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ، قَالَ : فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ )) يظهر النفاق .
موجة نفاق تجتاح العالم ، النفاق للأقوياء ، ولو كانوا مجرمين ، والنفاق للأغنياء ، ولو كانوا مبذرين .
يظهر النفاق ، وترفع الأمانة ، ويكثر الاحتيال والكذب ، والدجل وابتزاز أموال الناس ، وتقبض الرحمة ، ويتهم الأمين ، ويؤتمن غير الأمين .
أيها الإخوة الكرام ، من علامات قيام الساعة أن الحياء ينزع من وجوه النساء ، وأن النخوة تنزع من رؤوس الرجال ، وأن الرحمة تنزع من قلوب الأمراء ، فلا حياء في وجوه النساء ، ولا نخوة في رؤوس الرجال ، ولا رحمة في قلوب الأمراء .






الحديث الثالث :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : 
(( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَظْهَرَ الْفِتَنُ ، وَيَكْثُرَ الْكَذِبُ ، وَيَتَقَارَبَ الْأَسْوَاقُ ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ ، قِيلَ : وَمَا الْهَرْجُ ؟ قَالَ : الْقَتْلُ )) .[ أحمد ]
تنتقل من طرف الدنيا إلى طرفها الآخر في ساعات ، وتتصل مع أقصى مكان في الدنيا في ثوان ، العلم وتظهر الفتن ويكثر الكذب ، ويتقارب الزمان ، وتتقارب الأسواق .
(( وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ ، قِيلَ : وَمَا الْهَرْجُ ؟ قَالَ : الْقَتْلُ )) 
قتل كعقاص الغنم ، لا يدري القاتل لمَ يقتل ، ولا المقتول فيم قتل ، يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه 
مما يرى ، ولا يستطيع أن يغير ، إن تكلم قتلوه ، وإن سكت استباحوه . 
وحتى يكثر فيكم المال فيفيض ، وحتى يتطاول الناس في البنيان ، الأبراج خمسون طابقًا فما فوق ، تسعون طابقًافما فوق ، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول :يا ليتني مكانه .
 
هذه الصورة بحجم اخر انقر هنا لعرض الصورة بالشكل الصحيح ابعاد الصورة هي 692x982.
 
الحديث الرابع :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : 
(( إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ ، فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ 
مِنْ بَطْنِهَا ، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ ، فَبَطْنُ الْأَرْضِ 
خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا )) .[ الترمذي ]
 
 
الحديث الخامس :
أيها الإخوة الكرام ، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : 
(( لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ )) .[ متفق عليه ]
أطلعه أن أمته من بعده سترجع كفاراً ، فما علامة كفرها ؟ (( لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ 
رِقَابَ بَعْضٍ )) .
قتل ، ذبح ، تمثيل ، تعذيب ، إبعاد ، تشريد .
 
 
الحديث السادس :
ويقول عليه الصلاة والسلام :
(سيكون بعدي سلاطين الفتن ، على أبوابهم كمبارك الإبل ، لا يعطون أحداً شيئاً إلا أخذوا من دينه مثله ) .
[ الجامع الصغير بسند ضعيف ]
العطاء مقابل أن تتنازل عن دينك ، لا يعطون أحداً شيئاً إلا أخذوا من دينه أضعافاً ، وهناك أناس فهموا
الإسلام فهماً معكوساً ، فهموه تكفيراً ، فهموه تشريكاً ، فهموه قتلاً ، فهموه استعلاءً ، فهموه وصاية .
 
 
الحديث السابع :
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : 
(( يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ،
يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ )) .[ الترمذي ]
 
الحديث الثامن :
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : 
(( تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا ، وَيُمْسِي كَافِرًا ،
وَيُمْسِي مُؤْمِنًا ، وَيُصْبِحُ كَافِرًا ، يَبِيعُ أَقْوَامٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا )) .
يبيع دينه من أجل منصب ، من أجل مبلغ .[ الترمذي ]
 
بيعُ الدين بقليلٍ من الدنيا :
إذا جاء مبلغ فلكي مقابل أن تكتب عن الموت أنه كان طبيعياً ، والموت كان قتلاً ، باع دينه كله بهذا
التقرير ، يبيع أحدكم دينه بعرض من الدنيا قليل ، كان مؤمناً فأصبح كافراً ، أمسى مؤمناً فأصبح كافراً ،
أو أصبح مؤمناً فأمسى كافراً .
هذا من علامات آخر الزمان ، والمؤمن لا يباع ولا يشترى ، المؤمن رقم صعب ، لكن المنافق رقم سهل ، له ثمن محدود ، هناك إنسان يُشترَى بألف ليرة ، وإنسان بمليون ، و إنسان بخمسة ملايين يبيع دينه ، يبيع ورعه ، يبيع صلاته ، يبيع صيامه ، وحجه ، وزكاته .
 


 
الحديث التاسع :
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : 
((سَتَكُونُ فِتَنٌ ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي ، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ )) .
أكبر وعيد توعد الله فيه الناس في القرآن أن تقتل مؤمناً متعمداً ، وهذا يقع كل يوم ، المؤمنون يقتلون من قبل مؤمنين ، القائم القاتل والمقتول في النار، لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض .
 
 
الحديث العاشر :
أيها الإخوة الكرام ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أُمَّتَكَ سَتُفْتَتَنُ مِنْ بَعْدِكَ ، قَالَ : 
فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ سُئِلَ : مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا ؟ قَالَ : 
(( الْكِتَابُ الْعَزِيزُ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ، مَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ ، وَمَنْ وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ جَبَّارٍ فَحَكَمَ بِغَيْرِهِ قَصَمَهُ اللَّهُ ، هُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ ، وَالنُّورُ الْمُبِينُ ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ ، فِيهِ خَبَرُ مَنْ قَبْلَكُمْ ، وَنَبَأُ مَا بَعْدَكُمْ ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ ، وَهُوَ الَّذِي سَمِعَتْهُ الْجِنُّ فَلَمْ تَتَنَاهَ أَنْ قَالُوا : ]إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ [، وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ ،
وَلَا تَنْقَضِي عِبَرُهُ ، وَلَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ )) .[ رواه الدارمي ، وفي إسناده مقال ]
 
هذا هو المخرج من الفتن :
ليس هناك حل ، مهما تعددت الحلول ، إلا أن نصطلح مع الله ، لأن الله أعزنا في الماضي بالإسلام ،
ولن يعزنا بشيء آخر ، لا حل إلا أن نقيم الإسلام في بيوتنا ، والحل الذي أضعه بين أيديكم بإمكان 
كل واحدمنا تطبيقه ، دعك من المجموع ، دعك من الأقوياء ، دعك من الطواغيت ، أقم الإسلام 
في بيتك ، وأقمه في عملك ، وانتظر من الله النصر ، قال تعالى :
]بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [ .( سورة الزمر : الآية 66 )
الحل الأول والأخير القرآن الكريم أن نعود إليه ، وأن نعود إلى فهمه من السنة الصحيحة ، ومن فهم الأجيال الثلاثة من صحابة رسول الله ، فإذا عدنا إلى الله عاد الله لنصرنا ، واستعدنا دورنا القيادي ، وأصبحنا أعلاماً بين الأمم ، أما الآن فوالله نحن مضغة الأفواه بين الأمم ، ويسخر بقصصنا ، نتقاتل ، لسنا مؤهلين أن نحكم أنفسنا ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام : 
(( أَيُّهَا النَّاسُ ، عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ ،
ثَلَاثَ مِرَارٍ )) .[ أخرجه أحمد في مسنده والترمذي والحاكم عن عمر ] .
وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : 
(( إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ ، كَذِئْبِ الْغَنَمِ ، يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ ، فَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ وَالْمَسْجِدِ )) .[ أحمد ]
الزم الجماعة ، كن مع المؤمنين ، لا تنفرد برأي ، خذ رأي العلماء الأجلاء الربانيين الورعين ، لا تجتهد من عند نفسك ، لا تسبب للمسلمين متاعب لا تنتهي ، المسلمون سلمهم واحدة ، وحربهم واحدة .
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : << يا أيها الناس ، عليكم بالطاعة والجماعة ، فإنها حبل الله 
الذي أمر به ، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة >> .
 
 
الحديث الحادي عشر :
عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : 
(( كيف أنت يا عوف إذا افترقت هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ؟ واحدة في الجنة وسائرهن في النار ؟ قلت : ومتى ذلك يا رسول الله ؟ قال : إذا كثرت الشرط ، وملكت الإماء ، الأمر بيد النساء ، امرأة تزلزل أكبر رجل ، وقعدت الحملان على المنابر ، واتخذ القرآن مزامير ، وزخرفت المساجد ، ورفعت المنابر ، واتخذ الفيء دولاً ، والزكاة مغرماً ، والأمانة مغنماً ، وتفقه في الدين لغير الله ، وأطاع الرجل امرأته ، وعق أمه ، وأقصى أباه ، ولعن آخر هذه الأمة أولها ، الصحابة الكبار لُعنوا ، وساد القبيلة فاسقهم ، أفسق واحد سيدها ، وكان زعيم القوم أرذلهم ، وأكرم الرجل اتقاء شره ، فيومئذ يكون ذلك ، ويفزع الناس إلى الشام وإلى مدينة منها يقال لها : دمشق ، من خير مدن الشام ، فتحصنهم من عدوهم )) .
[ الجامع الصغير قريبا منه عن أبي هريرة بسند فيه ضعف ]
ونسأل الله أن تكون هذه البلدة على منهج الله ، وهناك علامات تؤكد ذلك .
الحديث ليس في الصحاح ، درجته أقل من الصحاح .
 
 
الحديث الثاني عشر :
عَنْ عَمْرو بْن الْعَاصِ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : 
(( بَيْنَا أَنَا فِي مَنَامِي أَتَتْنِي الْمَلَائِكَةُ ، فَحَمَلَتْ عَمُودَ الْكِتَابِ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي ، فَعَمَدَتْ بِهِ إِلَى الشَّامِ ، أَلَا فَالْإِيمَانُ حَيْثُ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ )) .[أحمد بإسناد صحيح ٍ
 
نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينجينا من الفتن ما ظهر منها وما بطن .
أيها الإخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي


ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك 

تربية الأولاد في الإسلام الدرس (29-36) : التربية الجنسية -2- غض البصر ل



التربية الإسلامية - تربية الأولاد في الإسلام 2008 - الدرس (29-36) : التربية الجنسية -2- غض البصر
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-03-28
بسم الله الرحمن الرحيم 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

التربية الجنسية:

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس التاسع والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ومع موضوع التربية الاجتماعية، ولا زلنا في موضوع يتصل اتصالاً وثيقاً بالتربية الاجتماعية ألا وهي التربية الجنسية.
 وقد بدأنا هذا الموضوع في الدرس الماضي، وسوف نتابع هذا الموضوع في هذا الدرس وفي الدرس الذي يليه إن شاء الله تعالى.



الله تعالى أودع الشهوة في الإنسان ليرقى بها إلى رب السماوات والأرض:

 

أيها الأخوة الكرام، أودع الله فينا الشهوات لنرقى فيها إلى رب الأرض والسماوات، و ما أودع الله فينا الشهوات إلا لنرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، لأن الشهوة تمثل الحركة، الشهوة تمثل المحرك في السيارة، إذا كان هناك مقود، وكان هناك وعي، وكان هناك طريق معبد، فمهمة المحرك أن ينطلق بالسيارة، ومهمة المقود أن يبقيها على الطريق، ومهمة الطريق أن يكون مكاناً مناسباً لهذه السيارة.
 فالطريق هو الشرع، والمقود هو العقل، والمحرك هو الشهوة، فالشهوة أودعها الله فينا وهي حيادية، سلم نرقى بها أو دركات نهوي بها، وقد يصل الإنسان من خلال الشهوة إلى أعلى الدرجات، وقد يهوي بها إلى أسفل الدركات.
 فلذلك الحديث عن التربية الجنسية لولا الجنس لما كان البشر إلى الآن، الطعام والشراب من أجل بقاء الفرد، والجنس من أجل بقاء النوع، وتأكيد الذات من أجل بقاء الذكر فأنت بين حاجة إلى بقاء شخصك عن طريق الطعام والشراب، وأنت بحاجة إلى بقاء جنسك، أو نوعك عن طريق الجنس، وأنت بحاجة إلى بقاء ذكرك عن طريق تأكيد الذات.

إباحة النظر إلى المخطوبة وفق منهج النبي الكريم:


 بدأنا بالتربية الجنسية حينما تحدثنا عن الاستئذان، استئذان الأطفال على أمهم وأبيهم في غرفهم، وتحدثت ملياً عن أخطار عدم الاستئذان، وعن أن يشاهد الطفل ما لا ينبغي أن يشاهده، ثم بينت أيضاً أحكام العورة التي ينبغي أن تحدد في المحارم، المحارم أنواع ثلاثة الزوجة نوع، ومحارم النسب نوع، ومحارم المصاهرة نوع ثالث، وتابعنا الموضوع ووصلنا إلى موضوع الزواج والنظر إلى المخطوبة.
 الآن دقق، عن المغيرة بن شعبة، أنه خطب امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( انظُرْ إِليها ))

[أخرجه الترمذي والنسائي عن المغيرة بن شعبة ]

  نظر الشاب إلى مخطوبته التي هي حتى الآن أجنبية مباح، نظر الشاب إلى مخطوبته نظر مباح، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( انظُرْ إِليها. فإنه أَحْرَى أن يُؤْدَمَ بينكما ))

[أخرجه الترمذي والنسائي عن المغيرة بن شعبة ]

  أحياناً شاب في ثورة إيمانية يقول: أنا أريد فتاةً مؤمنة فقط، ولا يعنيني جمالها إطلاقاً، هذا كلام غير واقعي بعد حين يندب حظه، أقول لك: طبق منهج النبي، قال لك:

(( انظُرْ إِليها. فإنه أَحْرَى أن يُؤْدَمَ بينكما ))

  هناك حاجة عند كل شاب إلى فتاة جميلة، لا أقول الجمال المطلق، لكن لابد من أن تحصنه، الزواج يحصن الشاب، فلذلك من توجيهات النبي:

(( انظُرْ إِليها. فإنه أَحْرَى أن يُؤْدَمَ بينكما ))

  أن يكون هناك توافق وتجاوب بينكما. 

جواز تكرار النظر إلى المخطوبة إذا دعت الحاجة و عدم الخلو بها:

 عند الجمهور ينبغي أن يرى من مخطوبته وجهها وكفيها بعد أن يعزم على الزواج منها، موضوع السفر لم يبحث، يريدها لسفر، وأهلها لا يقبلون خاطباً إلى سفر فقبل أن تقول أريد أن أنظر إليها، هل بحثت موضوع السفر ؟ أهلها لا يقبلون إلا ببيت مستقل وأنت تريد أن تسكنها مع أهلك، فقبل أن تقول أريد أن أنظر إليها، هل حللت هذه المشكلة ؟ النظر يكون آخر مرحلة، صار هناك اتفاق على المكان، والزمان، والمهر، والبيت، وكل التفاصيل التي يرغبها أهل الفتاة، وصار في عرض لواقع الفتاة، فإذا كان هناك توافق بين الأسرتين الآن نقول نريد أن ننظر إليها، واضح ؟.
 أما الآن قبل البحث في أي موضوع، قبل البحث في المهر، وفي السكن، وفي السفر، أو الإقامة، وفي حرفة الشاب يريد أن ينظر إليها، هذا نظر فضولي.
 فلذلك رأي الجمهور أنه يجوز أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته، أن ينظر إلى وجهها وكفيها بعد أن يعزم على الزواج منها.
 وقال العلماء: ويجوز تكرار النظر إذا دعت الحاجة، يعني أغلب الظن الشاب المؤمن عنده حياء، فحينما يدخل على مخطوبته ليراها يستحي، ويضع نظره في الأرض ويقول: والله إني ما رأيتها، خجلت أن أحدق فيها، ففي مثل هذه الحالة يمكن أن يعيد النظر مرات كي يستوعب هذه الفتاة التي سوف تكون شريكة حياته. 

تطبيق منهج الله عز وجل يحمي الإنسان من الوقوع في الخطأ:

 لكن بالمناسبة حينما يريد الخاطب أن ينظر إلى مخطوبته، لا ينبغي أن يخلو بها هنا يوجد مشكلة، لا ينبغي أن يخلو بها، ممكن أن تكون معه أمه لقول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ ))

[ البخاري عن ابن عباس]

  أما الذي يحصل عند المتفلتين يدخل خاطباً، ويدخل مرات عديدة، ويأخذها إلى مكان يتنزه، ليمتحن أخلاقها، وتطول الخطبة، ويقع المحذور، ثم يختفي الخطيب، هذه القصة سمعت عنها مئات المرات، في تساهل ساذج، في جهل فاضح، هذا الفتى هو أجنبي عن ابنتك، له أن يراها في بيتك مرات عديدة، وأن يحاورها، وأن يسألها، أما أن يأخذها بداعي الخطبة المديدة، أكثر الناس الغير منضبطين تدوم الخطبة أشهراً عديدة، وقد تصل إلى السنة، لا في عقد ولا في شيء، ويأخذها خارج البيت إلى أماكن متعددة، وقد يقع المحذور، وعندئذٍ تقع الطامة الكبرى، قال تعالى:

﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾

( سورة محمد )

  الإنسان ما دام وفق الشرع عنده راحة نفسية، ليس عنده مفاجآت، ليس عنده خبر صاعق، ليس عنده موقف يكاد يذوب من الخجل، لأنه طبق الشرع فهو في ظل رحمة الله عز وجل.
 يعني أحياناً يقول لك: عمري سبعون سنة ما دخلت لمخفر، أموره كلها شرعية، ليس عنده مخالفات، فالإنسان حينما يستقيم يسلم، وحينما يحسن يسعد، وحينما يربي ابنه يستمر وجوده. 

ما من مأساة على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة إلا بسبب خروج عن منهج الله:

 هناك حقيقة خطيرة وهي: أنه ما من مأساة على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، وأزمة أهل النار في النار أزمة جهل.

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

( سورة الملك )

  لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ))

[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود ]

  أصابه سهم، لابدّ من جرح، أما إذا كان السهم مسموماً هذا السم سرى في جسم الإنسان كله، فلذلك من تشبيهات النبي الرائعة أن النظرة إلى المرأة الأجنبية التي لا تحل لك هي سهم مسموم من سهام إبليس.
 بالمناسبة إذا في محطة وقود، وهناك مكان لإعلان، ويمكن أن نضع في هذا المكان آلاف الاحتمالات، الصبر جميل، رأس الحكمة مخافة الله، مثلاً، لكن ما دام محطة الوقود فيها سائل ينفجر ويشتعل أهم إعلان يوضع في هذا المكان ممنوع التدخين، لأن البنزين له بخار و حينما تأتي شرارة تحرق المحطة كلها، فلذلك أفضل إعلان: ممنوع التدخين، لِمَ سقت هذا المثل ؟ حينما يكون في القرآن الكريم، في هذا الكتاب المعجز، بكلام رب العالمين، مكان محجوز لغض البصر فمعنى ذلك أن غض البصر شيء أساسي جداً في حياة المؤمن.

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾

( سورة النور الآية: 30 )

  إذاً:

(( النظرة سهم مسموم من سهام إبليس من تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد له حلاوته في قلبه ))

[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود ]

  يعني إن صحّ التعبير هناك متعة تتأتى من النظر إلى محاسن امرأة جميلة، وهناك سعادة تتأتى من غض البصر عن هذه المرأة الجميلة. 

اللذة و السعادة:

 بالمناسبة: يمكن أن نستخدم هذين المصطلحين، مصطلح اللذة والسعادة، اللذة حسية، تتأتى من خارج الإنسان، اللذة تتأتى من طعام طيب، أو من بيت مريح، أو من منظر خلاب، أو من وجه صبوح، مصادر اللذة خارج الإنسان، وهذه اللذة ليست مستمرة بل متناقصة.
 يعني إنسان يقتني مركبة، أول أيام الاقتناء لا ينام الليل من فرحه، لكن بعد سنة قد يدعها أياماً طويلة ولا يخطر في باله أن يركبها، فالمركبة متعتها محدودة، والبيت كذلك، والزواج كذلك، وأي شيء يناله في الدنيا لابدّ أن يناله بلذة مستمرة، أو متنامية، بل هذا الشيء يمده بلذة ليست متنامية، بل ليست مستقرة، لكنها متدنية، يعني بعد حين الذي حصّل أموالاً طائلة، وسكن بأجمل بيت، واقتنى أجمل مركبة، وسافر تجده يحس بألم، وسأم وضجر، لأن الله أبى أن تمد الدنيا الإنسان بسعادة متنامية، ولا بسعادة مستقرة، بل بلذة متدنية، وتنتهي بالكآبة أحياناً إن كانت هذه اللذة محرمة.
 اللذة أيها الأخوة، لها مشكلة أنها تحتاج إلى صحة، وإلى مال، وإلى وقت، ودائماً هناك عنصر مفقود في حياة الإنسان، هو شاب الصحة طيبة، والوقت واسع، لكن لا يوجد مال، في نصف العمر هناك مال، وهناك صحة لكن لا يوجد وقت، بخريف العمر يوجد وقت و مال، لكن لا يوجد صحة، هذه اللذة، أما السعادة تنبع من الداخل، ليست متعلقة بشيء خارجي إطلاقاً، حينما تستقيم على أمر الله، تشعر بالسعادة، حينما تخطب ود الله تشعر بالسعادة، والسعادة التي من الداخل متنامية تزداد، من هنا قال الله عز وجل:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾

( سورة فصلت )

من غضّ بصره عن امرأة لا تحل له ارتقى عند الله عز وجل:

 لذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه قال:

(( ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها ـ في قلبه ـ ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]

 الإنسان بالنهار يصلي خمس صلوات، أما كلما غض بصره عن امرأة لا تحل له يرقى إلى الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام، الآلية لا أعرفها، أما النتيجة ثابتة، أي زوج غض بصره عن محارم الله، أعطاه الله حباً بينه وبين زوجته، وسعادة ثابتة ومتنامية، و لا يوجد مشكلة في الليل إلا بسبب معصية، دققوا في هذا القول:

(( ما تواد اثنان في الله فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما ))

[البخاري في الأدب عن أنس]

  هذا الذنب منه أو منها تنشأ الجفوة، ينشأ التباعد. 

غض البصر من صفات المؤمن:

 أيها الأخوة، حينما يطلق الإنسان بصره في محارم الله يدفع الثمن باهظاً في حياته الزوجية، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة ))

[أخرجه أحمد عن عبادة بن الصامت ]

  و لك أن تقول: اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة:

(( اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ))

[أخرجه أحمد عن عبادة بن الصامت ]

  إذاً غض البصر من صفات المؤمن، وفي بعض الأحاديث:

(( الْعينانِ تزنيان وزِنَاهُما النَّظَرُ، والأُذُنَانِ تزنيان وزناهُمَا الاستماعُ، واللِّسانُ يزني وزِناه الْكلامُ، والْيَدُ تزني وزِناها البْطَشُ، والرِّجْل تزني و زِناها الخُطَا، والْقَلْبُ يزني ويَهوى ويَتمنَّى، ويُصَدِّقُ ذلك الْفَرْجُ أو يُكَذِّبُهُ ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة ]

  هذه أنواع المتعلقة بالزنا، والمعاصي متعلقة بالجوارح طبعاً، ولما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة فقال عليه الصلاة والسلام:

(( اصْرِفْ بَصَرَكَ ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن جرير بن عبد الله البجلي ]

  وفي حديث دقيق جداً يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ثلاثة لا ترى أعينهم النار: عين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين كفت عن محارم الله ))

[أخرجه الطبراني عن معاوية بن حيدة ]

 العين التي تكف عن محارم الله، هذه العين لا ترى النار، عين بكت من خشية الله، هذه لا ترى النار، عين حرست في سبيل الله، هذه العين لا ترى النار.
 كل إنسان، وبكل عمر له صفة مميزة، فالشاب في مقتبل حياته أجمل صفة فيه العفة، والفتاة في مقتبل حياتها أجمل صفة فيها الحياء.
 لذلك قيل: التوبة حسن لكن في الشباب أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن، والعدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن.
 من علامات آخر الزمان أن النخوة تنزع من رؤوس الرجال، والحياء ينزع من وجوه النساء، والرحمة تنزع من قلوب الأمراء. 

لا يجوز للرجل أن ينظر إلى الرجل فيما بين سرته إلى ركبته:

 أيها الأخوة الكرام: لو دخلنا في التفاصيل، لا يجوز أن ينظر الرجل إلى الرجل فيما بين سرته إلى ركبته، بالرياضة لا يجوز، الفخذ عورة، فلا يجوز أن ينظر الرجل إلى الرجل فيما بين سرته إلى ركبته، سواء أكان هذا الرجل المنظور قريباً أم بعيداً، مسلماً أو غير مسلم، لأن الفخذ في النص الصحيح عورة، وفي بعض الأحاديث:

(( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة ))

[ أخرجه مسلم وابن خزيمة عن أبي سعيد الخدري ]

(( مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ ))

[ الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن جعفر]

(( غط فخذك فإن الفخذ عورة ))

[أخرجه الإمام أحمد عن جرهد ]

  هذا من تعليمات وتوجيهات النبي عليه الصلاة والسلام.
 بالسباحة الثياب تحت الركبة و الرياضة كذلك، أنا أعرف هذه القصة: لاعب كرة من أشهر لاعبي مصر، اعتزل اللعب في مباراة دولية، والدولة حريصة حرصاً لا حدود له على النجاح في هذه المباراة، فعندما اعتزل اللعب زاره وزير الشباب وأقنعه أن يشترك في المباراة، فاشترط عليه الثياب السابغة فوافقه على ذلك، وسرى هذا الترتيب عند لاعبي الكرة أحياناً، ممكن أن تكون الثياب تحت الركبة، والسباحة كذلك.
 لا يوجد انحراف جنسي إلا يسبقه مخالفة شرعية، المخالفات الشرعية من نتائجها انحرافات جنسية، من علامات قيام الساعة، اكتفاء الرجال بالرجال، والنساء بالنساء.
 زرت مدينة في أمريكا تعد أجمل مدن العالم، خمسة و سبعون بالمئة من سكانها يكتفي الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وهذا يبدأ من إظهار العورات في البيوت. 

النظر بقصد المعالجة جائز للطبيب وكلما كان المؤمن أقرب إلى الله كان أقرب إلى التستر:

 الآن هل هناك من سماح للنظر من امرأة أجنبية ؟ العلماء قالوا: يجوز للطبيب أن ينظر إلى مريضته، في مكان المرض بالذات، أنا أحياناً أعجب بالطبيب المسلم الذي ربي على أدب الإسلام.
 هناك طبيب عظمية أعرفه معه ملاءة كبيرة جداً بيضاء فيها فتحة صغيرة، يضع الفتحة مكان الألم في المرأة، لا يرى منها إلا مكان الألم، وهناك أطباء يسارعون إلى أن يطلبوا من المريضة خلع ثيابها، فكلما كان المؤمن أقرب إلى الله كان أقرب إلى التستر، لأن الشيطان: 

﴿ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 27 ).

  لكن بالحكم الشرعي المرأة المريضة إذا وجدت طبيبة مسلمة، الأولى أن تعالج عندها، فإن لم يكن فطبيب مسلم، الطبيب يغض بصره، ويعتني بالمريضة بحيث لا يحرجها، وعند الضرورة لابدّ من أي طبيب.
 شخص يقول لي: أنا أغار على زوجتي لا أعالجها عند طبيب، و لا يوجد طبيبة، هذا يجهل الأحكام الشرعية، عن سيدنا عمر ورد:
 " أنه ليس بكم من عرف الخير، ولا من عرف الشر، ولكن من عرف الشرين وفرق بينهما، واختار أهونهما ".
 المرض يستدعي معالجة من طبيب، أي طبيب، الأولى أن نبدأ بالطبيبة، ثم بالطبيب، ثم بالطبيب المسلم، ثم بأي طبيب.
 إذاً النظر بقصد المعالجة جائز للطبيب.

حالات يجوز لأصحابها النظر فيها إلى المرأة الأجنبية:

 لكن الآية الكريمة:

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾

( سورة غافر )

  يعني هذا الطبيب لو استرق النظر إلى مكان لا تشكو منه المريضة، من يعلم ذلك ؟ الله وحده، لو استرق الطبيب الذي يعالج امرأة النظر إلى مكان لا تشكو منه، الله وحده الذي يكشف هذه المخالفة لقوله تعالى: 

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

  ولك أن ترى مخطوبتك كما مر بنا سابقاً بقصد الخطبة، والقاضي له أن ينظر إلى المرأة التي تشتكي، أو يُشتكى عليها، والشاهد كذلك، القاضي، والشاهد، والخاطب، والطبيب، هذه حالات يجوز لأصحابها أن ينظر إلى امرأة أجنبية.
 أيها الأخوة الكرام، كما قلت قبل قليل: من علامات قيام الساعة أن تُنزع المروءة من رؤوس الرجال، وأن يذهب الحياء من وجوه النساء، وأن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء.
ليس صعباً أن يطبق هذا المنهج العظيم في أي عصر لأن الله عز وجل يقول:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

( سورة البقرة الآية: 286 )

 فلا يمكن أن نكلف بأمر من الأوامر إلا إذا كان هذا متاحاً لنا، ومقدوراً عليه.

من لوازم التربية الجنسية أن يجنب الآباء أولادهم الإثارة الجنسية:

 الآن من لوازم التربية الجنسية: أن يجنب الآباء أولادهم الإثارة الجنسية.
 كنت مرة في ماليزيا، هذا الصحن غرامته مليون ليرة، صحن مفتوح على محطات (بعضها إباحي)، موجود في البيت، هناك إثارات تفوق حدّ الخيال، فالأب المؤمن الذي يحرص على تربية أولاده يجب أن يجنب أولاده كل جهاز في البيت يقدم إثارة جنسية عالية جداً.
 والله حتى في أمريكا، شريط الأفلام أول نوع يراه الأطفال، الأربعة يحتاج إلى رقم سري، هم على بعدهم عن الدين خافوا على أولادهم، هذا الذي ترونه في بعض البلاد النامية محطات لا تعد ولا تحصى، أنا كنت أقول دائماً كلما اتسعت الصحون على السطوح ضاقت صحون المائدة، وكلما قلّ الحياء قلّ ماء السماء، وكلما رخص لحم النساء غلى لحم الضأن.
 تقريباً الأحكام الشرعية 90% منها متعلق بالمرأة، والمال، والفضائح، بتاريخ البشرية فضائح مالية أو جنسية، والتوجيهات القرآنية والنبوية متعلقة بعلاقتك بكسب المال وعلاقتك بالمرأة، فحينما تُسد هاتان الثغرتان في حياة المؤمن يكون متفوقاً وموفقاً. 

قضية المال وقضية المرأة منفذان خطيران للمعاصي:

 أيها الأخوة، من كلام النبي عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان:

(( لو دخلوا ـ الكفار ـ جحر ضب لدخلتموه ))

[أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]

  نساء المسلمين العفيفات، الطاهرات من يتحكم بنوع ثيابهن ؟ مصمم أزياء فرنسي مثلاً، هو قرر أن تكون الثياب على هذا النحو، أصبحت الثياب فاضحة، تصف حجم العورة أو تشف عن لونها، أو تكون ذات لون يلفت النظر، فما دام هذا النمط جاء في هذا العام عن طريق المجلات الخاصة، فلابد من أن يقتدي هؤلاء بمثل هذا النوع من الثياب، هذا خطأ كبير، الإنسان المؤمن يقول كلمة لا بملء فيه، ولا تأخذه في الله لومة لائم.
 أيها الأخوة، مرة ثانية: قضية المال، وقضية المرأة، منفذان خطيران للمعاصي، فعندما يسد الإنسان هذه الثغرة بغض البصر، ويسد ثغرة المال بالعمل المشروع، فقد حصن دينه، والناس يؤخذون إما من كسب أموالهم، أو من علاقتهم بالمرأة. 

العفة من لوازم الإيمان بالله تعالى:

 المجتمع المسلم صدقوا ولا أبالغ ليس فيه مراهقة لوجود الانضباط فيه، أحياناً الإنسان يذهب إلى العمرة، هناك الحجاب إلزامي، يعني يبقى أياماً عديدة ومديدة لا يشعر بأي بشيء يثيره، المرأة بالثياب الكاملة، الساترة، السابغة، الفضفاضة، السميكة، أما حينما تعرض مفاتن المرأة في الطريق، هناك مشكلة كبيرة.
 فيا أيها الأخوة الكرام، من لوازم المؤمنين العفة، و حينما سأل النجاشي سيدنا جعفر عن الإسلام، ماذا قال سيدنا جعفر ؟ قال:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار ـ هذه الجاهلية ـ حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ))

[أخرجه ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 هذا الدين دين أخلاق.

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

( سورة القلم )

  والعبادات الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية.
 وفي درس آخر إن شاء الله نتابع هذه التربية الجنسية، والمجتمع اليوم مع هذا التفلت في أمس الحاجة إلى هذا النوع من التربية.

والحمد لله رب العالمين

مكارم الأخلاق - معنى الرحمة



مكارم الأخلاق - معنى الرحمة الدرس (15-32) : 
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي 
بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الخلق اليوم: الرحمة.

معنى الرحمة: 

التوازن النفسي من الرحمة
أيها الأخوة, الرحمة كلمة جامعة لكل أنواع العطاء الإلهي، فحينما تكون معافى في بدنك فهذه رحمة، وحينما تكون ذا رزق موفور فهذه رحمة، وحينما تكون مرتاحاً في نفسك، متوازنًا هذه رحمة، رحمة الله عز وجل تشمل كل شيء، عطاؤه رحمة، وتأديبه رحمة، نعمه الظاهرة رحمة، ونعمه الباطنة كالمصائب رحمة، هناك رحمة عاجلة، وهناك رحمة آجلة، هناك رحمة مادية، وهناك رحمة معنوية، وهناك رحمة روحية، هناك رحمة تشمل الدنيا والآخرة، يمكن أن نقول: إن مطلق عطاء الله عز وجل بشتى أشكاله، وألوانه، وأنواعه، وصفاته، مقدمه ومؤخره تعد من الرحمة، ووسعت رحمتي كل شيء.
الرحمة رقة الرحيم تجاه المرحوم
الرحمة -أيها الأخوة- لا تخلو عن أن تكون رقةً مؤلمةً تعتري الرحيم، رقة مؤلمة تعتري الرحيم فتحركه إلى قضاء حاجة المرحوم، والله سبحانه وتعالى هو أرحم الراحمين، قال تعالى: 

﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾

[سورة مريم الآية: 45]

فكل ما يبدو لك من مصائب هو في حقيقتها رحمة.

((إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي))

وما قدروا الله حق قدره: 

الأوامر والنواهي الإلهية ابتلاء للخلق رحمة بهم
أيها الأخوة, يقول بعض العلماء: من رحمته سبحانه وتعالى: ابتلاء الخلق بالأوامر والنواهي رحمةً لهم، وحميةً لا حاجة منه إليهم بما أمرهم به، ومن رحمته أن نغص عليهم الدنيا وكدرها لئلا يسكنوا إليها، ولا يطمئنوا إليها، ويرغبوا عن النعيم المقيم في داره وجواره، فساقهم إليها بسياط الابتلاء والامتحان, فمنعهم ليعطيهم، وابتلاهم ليعافيهم، وأماتهم ليحييهم، ومن رحمته بهم أن حذرهم نفسه لئلا يغتروا به، ومن رحمته أن أنزل لهم كتباً، وأرسل لهم الرسل، لكن الناس افترقوا إلى فريقين؛ فأما المؤمنون فقد اتصل الهدى في حقهم بالرحمة فصار القرآن لهم هدى ورحمة، وأما الكافرون فلم يتصل الهدى بالرحمة فصار لهم القرآن هدى بلا رحمة.

النبي رحمة للخلق: 

أيها الأخوة, في القرآن الكريم تقريباً مئتا آية تتحدث عن الرحمة، وفي الأحاديث عدد غفير جداً من الأحاديث التي تشير إلى الرحمة، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- دعا لميت فقال: 

((اللهم اغفر له وارحمه))

[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]

عن مَالِكٌ قال: 

((أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ, فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً, وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَحِيمًا رَفِيقًا, فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا, أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا, سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ -يعني كان عليه الصلاة والسلام رحيماً بأصحابه وكان واقعياً- قَالَ: ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ, فَأَقِيمُوا فِيهِمْ, وَعَلِّمُوهُمْ, وَمُرُوهُمْ, وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لا أَحْفَظُهَا, وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي, فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ, فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ, وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ))

ويقول عليه الصلاة والسلام عن نفسه: 

((أنا نبي الرحمة))

كل دعوته رحمة للخلق، وكل مواقفه وسلوكه رحمة.

ذكر رحمة الله تعالى: 

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: 

((لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ, كَتَبَ فِي كِتَابِهِ, وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ, وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي))

وعن سلمان الفارسي -رضي الله عنه- قال: 

((قال عليه الصلاة والسلام: إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مئة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فيها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة))

وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: 

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ, مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ, تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]

المؤمنون يتراحمون
المؤمنون يتراحمون، وقد وصف الله جل جلاله النبي الكريم وأصحابه فقال:

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾

[سورة الفتح الآية: 29]

عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: 

((جاء أعرابي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله, تقبلون الصبيان!؟ فلا نقبلهم! فقال عليه الصلاة والسلام: أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟))

وفي بعض الأحاديث: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: 

((جعل الله الرحمة مئة جزء، فأمسك عنده تسعةً وتسعين، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق, حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]

مؤشرا الرحمة والإيمان: 

أيها الأخوة, أرحم الخلق بالخلق محمد -صلى الله عليه وسلم-، لأن مؤشر الرحمة يتحرك مع مؤشر الإيمان والاتصال بالله، فأنت ترحم بقدر اتصالك بالله، إذاً وفق هذه القاعدة: أرحم الخلق بالخلق النبي -عليه الصلاة والسلام-، ومع ذلك قال الله له:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾

[سورة آل عمران الآية: 159]

هذا التنكير تنكير التصغير، ويقول عن ذاته العلية: 

﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾

[سورة الأنعام الآية: 133]

هذا التعريف تعريف شمول، بما رحمة من الله لنت لهم، وربك الغفور ذو الرحمة. 

الحث على رحمة الله تعالى: 

ويقول عليه الصلاة والسلام: 

((رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى))

((ورحم الله امرأةً قامت من الليل فصلت، ثم أيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء))

ويقول عليه الصلاة والسلام: 

((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء))

[أخرجه الترمذي في سننه]

من علامات قيام الساعة: 

من علامات قيام الساعة: أن ينزع الحياء من وجوه النساء، وأن تذهب النخوة من رؤوس الرجال، وأن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء.
ليس هناك امرأة فيها حياء، ولا رجل عنده نخوة، ولا أمير في قلبه رحمة، وهذا من علامات قيام الساعة.
ويقول عليه الصلاة والسلام: 

((لا تنزع الرحمة إلا من شقي))

[أخرجه الترمذي في سننه]

أشقى الخلق أقساهم قلوبا
أشقى الخلق أقساهم قلوباً، وأقرب الخلق إلى الله أكثرهم رحمةً.
ويقول عليه الصلاة والسلام: 

((لا يرحم الله من لا يرحم الناس))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]

قد تكون في منصب، وبيدك التسعيرة، تقول: عندنا مائة وحدة سكنية نريد الثمن نقداً، يأتيك الأغنياء يدفعون، أما هؤلاء الفقراء فلا يملكون هذا الثمن، فالذي يرحم الناس يرحمه الله، بإمكانك أن تفرض ضرائب عالية جداً، تمتص معظم دخل الإنسان، أنت لا ترحمهم، لذلك الله جل جلاله لا يرحمك.

((لا يرحم الله من لا يرحم الناس))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]

وهناك أعرابي انزعج من بعض أصحاب النبي حينما بال في المسجد، فقاموا إليه، قال: دعوه، فلما رأى النبي طمأنه، ومنعهم أن يصلوا إليه، قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً -يقصد هؤلاء-, فقال عليه الصلاة والسلام: يا أخي لقد حجرت واسعاً.
دققوا في هذا الحديث: 

((لن تؤمنوا حتى ترحموا.

-إن لم تكن رحيماً فلست مؤمناً-. 

لن تؤمنوا حتى ترحموا، فقالوا: كلنا رحيم يا رسول الله، قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ...))

طبعاً: كل منا يرحم أولاده وزوجته وأقرباءه، هذه رحمة خاصة، هذه أودعت في قلبك من دون اختيار لك، هذه رحمة ليست كسبيةً، إنما هي فطرية، هذه أكاد أقول: لا تؤجر عليها، لأنها مركبة في أصل طبعك.

الرحمة العامة والرحمة الخاصة: 

أودع الله الرحمة في قلوب الآباء والأمهات
مرةً دخلت إلى مستشفى الأطفال, لفت نظري أن البدوية تبكي، وأن السافرة تبكي، وأن المثقفة تبكي، وأن المحجبة تبكي، وأن الغنية تبكي، أودع الله في قلب الأمهات هذه الرحمة، ولكن ما الرحمة التي تؤجر عليها، وترتقي بها؟ أن ترحم الناس، أن ترحم ابنك، هذا شيء مركب في أصل طبعك، لكن أن ترحم موظفاً عندك في المحل, هذه الرحمة التي تؤجر عليها الرحمة العامة، أما الخاصة أكاد أقول: لا أجر لك بها، لأنها ليست من كسبك، أودعها الله في قلبك كي تسير الأمور على ما ينبغي، لولا أن الآباء والأمهات يرحمون أولادهم, لما نما طفل إطلاقاً.
الرحمة تجاه الغرباء لها درجات عليا
لذلك ورد في بعض الآثار: أن نبياً رأى أماً تقبل ابنها, وهي تخبز على التنور, وكلما وضعت رغيفاً في التنور, ضمت ابنها, وشمته, وقبلته, فعجب هذا النبي الكريم من رحمة هذه الأم بابنها! فقال الله له: إنها رحمة أودعتها في قلب أمها, وسأنزعها, فلما نزع من قلبها الرحمة بوليدها وبكى, ألقته في التنور.
لذلك: الرحمة فيما بين الأم والأولاد رحمة رائعة جداً تمثل رحمة الله، ولكن لا يكاد الأجر يرتقي بها إلى الأجر الذي يعطيه الله لمن يرحم الخلق عامة، لمن يرحم مخلوقاً لا ينتمي إليه، يعني رحمة الله بآبائهم في العالم كله في كل البلاد والعباد، لكن أن ترحم الناس، أن ترحم الغرباء، أن ترحم من لا يمت لك بصلة، هذه رحمة لها درجات عليا في ميزان العبد عند الله.
من أشد أنواع التهديد عبارة: ليس منا، يعني أخرجه من ملة الإسلام، ليس منا.
يقول عليه الصلاة والسلام: 

((ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ومن لم يوقر كبيرنا، ومن لم يعرف لعالمنا حقه))

فالوقح, والمتطاول، والفظ، والغليظ، والقاسي على الصغير, هذا ليس من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

الرحمة مطلقة وليست مقيدة: 

لاتقنطوا من رحمة الله
يقول عليه الصلاة والسلام: 

((ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله))

[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط, والإمام أحمد في مسنده]

قال العلماء: هذه أرجى آية في القرآن الكريم، الرحمة ينبغي أن لا تشمل البشر وحدهم، ينبغي أن تشمل الخلق جميعاً، فحينما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- إنساناً يذبح شاةً أمام أختها غضب، وقال: هلا حجبتها عن أختها؟ أتريد أن تميتها ميتتين؟.
وقال عليه الصلاة والسلام: 

((إن الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته))

الآن حديث غريب جداً: امرأة بغي، والزنا جريمة لمرة واحدة، فإذا امتهنت المرأة الزنا, كانت بغياً لمرة واحدة جريمة، فإذا كان الزنا حرفتها هذه البغي، هذه البغي يقول عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-: 

((بينما كلب يطوف بركية حول بئر, يكاد العطش يقتله, إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل, فنزعت موقها -أي خفها-, فسقته بموقها, فغفر الله لها))

حين ترحم الخلق الله يرحمك
الحقيقة: العلماء وقعوا في حيرة في هذا الحديث: امرأة بغي تمتهن الزنا، وهي من أسقط الخلق عند الله، لأنها رحمت كلباً، لم ترحم إنساناً، لكن كلبًا غفر لها، لأن هذا العمل لا يمكن أن يكون رياءً، ما من إنسان يراقب عملها، ما من إنسان ترجو عنده العطاء, ما من إنسان تخافه، إلا أنها رحمت هذا الكلب.
لذلك أنا أقول أيها الأخوة: حينما تخدم الخلق, حينما ترحم الخلق, لعل الله يرحمك بهذا العمل، حتى إن النبي -عليه الصلاة والسلام- دخل بستان أنصاري فرأى جملاً، فلما رأى الجمل النبي حن, فذرفت عيناه, تقدم منه النبي -عليه الصلاة والسلام-، فمسح ذفريه، وقال: من صاحب هذا الجمل؟ جيء بفتى أنصاري، قال: أنا صاحبه، قال: ألا تتقي الله بهذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه.
الآن أكثر عبارة شائعة: الشفافية, هذه هي الشفافية: أن تشف نفسك عن رحمة بالخلق.
يقول عليه الصلاة والسلام: عن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري, عن أبيه قال: 

((قال رسول الله -صلى اللهم عليه وسلم-: إني لأقوم إلى الصلاة, وأنا أريد أن أطول فيها, فأسمع بكاء الصبي, فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه))

هذه رحمته بالأمهات.
يا رسول الله ادع على المشركين، فقال: 

((إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة))

الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب: 

الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب
بالمناسبة: الإنسان حينما يبكي لمصيبة ألمت به هذا ليس منهياً عنه.

((إن العين لتدمع, وإن القلب ليخشع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا عليك -يا إبراهيم- لمحزونون))

لذلك: إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه، أي يموت الإنسان, ويسمع صراخ من البيت، الجسر انهد، الله هو الرزاق، هناك كلمات تقال عند الموت كلها كفر، فما دام الإنسان يبكي، وقلبه يتألم فلا شيء عليه، هذا شيء طبيعي، لست مؤاخذاً أن تتألم لمصيبة، ولكن المؤاخذة أن تتكلم كلاماً فيه كفر، وفيه نقض لقضاء الله وقدره.

الشفاعة عند الله بين الخلق رحمتهم فيما بينهم: 

من أقوال السلف الصالح: كان سيدنا عمر بن عبد العزيز يدعو ويقول: اللهم إن لم أكن أهلاً أن أبلغ رحمتك، فإن رحمتك أهل أن تبلغني.
الحقيقة: إذا كان من شيء يدل على الإيمان في قلب الإنسان هو الرحمة, فأنت ترحم بقدر إيمانك، وأنت تقسو بقدر عصيانك.
فمن لا يرحم لا يرحم.
وإن أردتم رحمتي، فارحموا خلقي.
وعلامة المؤمنين أنهم رحماء فيما بينهم.
أخواننا الكرام, أنا أتكلم كلاماً من معاناة، ترى الإنسان إذا وقع أخوه تحت يده, ذبحه من الوريد إلى الوريد، لا يرحم الذي يرحم يرحم.

إن الله لا يضيع أجر العاملين: 

التقيت بشخص سألني عن عمره من باب المداعبة، أنا توقعته ستين سنة، قال: عمري ستة وسبعون، أقسم بالله! أنه يتمتع بحيوية ونشاط وبشعور بالقوة, شيء لا يصدق, سألته عن عمله، قال: أنا من أربعين سنة بالجمرك, أقسم بالله -وهو عندي صادق- أنه لم يؤذ إنساناً في هذه السنوات الأربعين، حتى قال لي: يعني لم أدقق إلا في تهريب المخدرات والأسلحة, أما في قضية بحاجة ماسة لها علف -فرضاً-, أشياء, مواد غذائية لا يدقق فيها، عاش -حسب ما أعلم- تسعين سنة, يتمتع بصحة وبمكانة وبحبوحة، أقسم بالله العظيم أنه لم يصل إلى جيبه قرش واحد من الحرام، -الله موجود يعني رحم عباد الله-، أصابته محنة, أطلق عليه الرصاص من قبل المهربين، فدخل إلى المستشفى ناجى ربه، وقال: يا رب إن كنت آذيت عبداً من عبادك فأمتني الآن، وإن كنت تعلم أنني لم أؤذ أحداً من عبادك فارحمني، ورحمه الله، ونجحت العملية.
أنت حينما ترحم الناس يرحمك الله، وحينما تقسو على الناس، الإنسان قد يكون بمنصب حساس في المالية في الجمرك, فحينما تقسو على الناس أمامك يوم أسود، لأن هؤلاء الناس عباد الله.

الله إذا أعطى أدهش وإذا أخذ أدهش: 

مرة التقيت مع إنسان أيضاً, مكانه حساس جداً, بإمكانه أن يرحم الناس، أو أن يفرمهم بالتعبير الدارج، أو أن يقسو عليهم, قلت له: الله عنده سرطان، عنده فشل كلوي، عنده تشمع كبد، عنده حسرة بالدماغ، عنده شلل، عنده أزمات قلبية، عنده جلطات، وكل هؤلاء العباد عباد الله، فإذا كنت بطلاً, فهيئ لله جواباً عن كل شيء تفعله لا لرؤسائك لربك. 
أنا أنصح أخوتنا، وأنصح نفسي معكم: قبل أن تتحرك، قبل أن تنطق بكلمة، قبل أن تمد يدك لإنسان, قبل أن توقع: هل عندك جواب لله عز وجل فيما تفعل؟ قبل أن تتحرك، قبل أن يصل أذاك إلى مخلوق, كائناً من كان, مسلمًا أو كافرًا، قريبًا أو بعيدًا، إنسانًا أو حيوانًا، قبل أن يصل أذاك على مخلوق, هل عندك جواب لله عز وجل؟ هيىء جواباً قبل أن تفعل، وإلا الحساب الشديد، قال تعالى:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾

[سورة البروج الآية: 12]

الله عز وجل إذا بطش شيء مدهش، يسحقه حتى العظم، وهؤلاء كلهم عباد الله. 

الظلم ظلمات يوم القيامة: 

الظلم ظلمات
يقال: إن يحيى البرمكي كان أقرب المقربين إلى هارون الرشيد، يعني الرجل الثاني في الدولة، فجأةً رأى نفسه في السجن, زاره أحد أقربائه, قال له: لعل دعوة مظلوم أصابتنا.
الظلم ظلمات يوم القيامة؛ قبل أن تتحرك, قبل أن تنطق بكلمة، قبل أن تبتسم، قبل أن تعبس، قبل أن تخطط، قبل أن تفعل شيئاً، هل عندك جواب لله عز وجل؟ هذا عبد لله. 
اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب.
وقد قال العلماء: الله عز وجل ينتصر لدعاء المظلوم ولو كان كافراً، لا بأهليته للدعاء، ولكن بعدل الله عز وجل، وينقذ المضطر ولو كان كافراً، لا بأهليته للدعاء، ولكن برحمة الله عز وجل.

مَن لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ: 

أيها الأخوة, نحن إذا تراحمنا رحمنا الله، أنا أرى قسوة في المعاملة, أرى قسوة بالغة.
أنت حينما ترحم تُرحم، وتأكد أنه بقدر اتصالك بالله ترحم، وبقدر بعدك عن الله تقسو، فإذا كان للرحمة مؤشر يتحرك، وللإيمان مؤشر, المؤشران يتحركان معاً، فينبغي أن يرحم بعضنا بعضاً، لا في العمل رحمة، رب العمل يجب أن ينفق في اليوم مئة ألف، ويجب أن يعطي الموظف خمسة آلاف في الشهر، والموظف يرى إنفاق صاحب العمل، يعني في النهاية يصير في حقد.
حينما تفكر أن هذا الذي أمامك إنسان, من حقه أن يأكل أكلاً جيداً، من حقه أن يسكن في بيت, من حقه أن يرتدي ثياباً, من حقه أن يربي أولاده، من حقه أن يطعمهم اللحم، كيف تعطيه راتباً لا يكفيه أيامًا؟ يتحكم في بطالة، لأنه يرضى معك بخمسة آلاف، وصاحب العمل ينفق في اليوم مئة ألف، هذا الحاضر، أنا أستمع إلى قسوة من أصحاب الأعمال, يقشعر منها البدن، من لا يرحم لا يرحم، وكلما أرى إنساناً يرحم، ولو كان مقصراً في العبادات, أتفاءل له في الخير.
لو كان لك قلب كالصخر، وتصلي كل يوم قيام الليل، الله عز وجل لا يقبله منك، لا يريد هذه العبادة، يريد أن ترحم عباده.